محمد الجبر

9

البنى الأساسية في علم الأخلاق

والحقيقة أن المعرفة الأخلاقية عبر المنظور التاريخي إنما ينهج الناس إزاءها أحد سبيلين : سبيل الإعتقاد والتقليد ، وسبيل الفكر النقدي الواعي لواقعه ؛ لذا فالأطفال يسمعون - عبر التربية - بوجود الأخلاق ، وإن شعبنا يؤمن بالوعظ الأخلاقي ، ولكنهم جميعا يعتنقون في سلوكهم وثقافتهم نوعا من الأخلاق يمكننا أن نطلق عليه اسم الأخلاق الاعتقادية . أما الباحث الناقد فيعتبر الأخلاق بأنها أخلاق عملية لا تخرج عن دائرة الواجبات الجزئية ، مثل واجبات المرء نحو نفسه ، وواجباته نحو وطنه ، ونحو المجتمع ، وهذه الواجبات إنما تلبي حاجة الإنسان . والواقع أن الرؤية المنهجية للأخلاق تدلنا على أن المذاهب الأخلاقية وكذلك النظريات الأخلاقية ، ما هي إلا أحداث اجتماعية بذاتها ، وبالتالي لا تستطيع أن نفهمها فهما صحيحا إلا إذا إضيفت إلى ظروف نشأتها ، وأسباب ولادتها وظهورها وعوامل نجاحها وانتشارها ، أو اخفاقها وذبولها ، فالمذاهب الفكرية هي في الحقيقة وليدة البيئة وعبقرية أصحابها ، وهي تتبدل إذا تبدلت الأوضاع الاجتماعية والوقائع الفكرية تبدلا عميقا . لذلك فإن الحدث الأخلاقي يفرض نفسه دائما على وجه التحقيق على كل فرد طبيعي ، في كل زمان وكل مجموعة اجتماعية ، والمقابلة بين الخير والشر تخالجنا من الخارج منذ الطفولة ، تحت ضغط « الأخلاق » ، أي بتعبير أوضح : ما يجوز فعله وما لا يجوز ، كما تخالجنا من الداخل - على ما يبدو - على شكل مشاعر ( واجب ، مسؤولية ، ضمير ) . وهذه المشاعر في الواقع وليدة التربية والبيئة التي يحياها الفرد ، ولا مناص للمفكر الصادق من أن يعتبر أن هناك مشكلة أخلاقية ذات أوجه مختلفة توافق الحدث الأخلاقي ، ولا شك في أن أبرز هذه الأوجه هو التنوع البالغ الذي تظهر به الأخلاق بالذات ، في الزمان وفي المكان . . وهذا هو في الحقيقة موضوع « نسبية » الأخلاق والذي تدارسه الكثيرون من الفلاسفة والكتاب منذ الشكاك اليونانيين حتى مونتونيل ، ومنذ « بايل » حتى « أناتول فرانس » « 1 » وتأكيدا لهذا القول ،

--> ( 1 ) فرانسوا غريغوار المذاهب الأخلاقية الكبرى ترجمة قتيبة المعروفي ص 11